أبي منصور الماتريدي
362
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومنهم من ذكر أن الكافور شيء جرى ذكره في الكتب المتقدمة ، فذكر كذلك في القرآن . ومنهم من قال : إنه عين من عيون الجنة . ومنهم من صرفه إلى الكافور المعروف . لكن قيل : إنه كناية عن طيب الشراب . وقيل : إنه كناية عن برودة الشراب ؛ لأنه ذكر أن ذلك الشراب في طبعه كالكافور ؛ لأن ألذ الشراب عند الناس البارد منه ، لا أن يكون في نفسه باردا . وذكروا أن الكأس لا تسمى : كأسا حتى يكون فيها خمر . وقوله - عزّ وجل - : عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ . ومعناه : منها ، لا أن يقع شربهم بها . وسميت العين : عينا ؛ لوقوع العين عليها . وقوله - عزّ وجل - : يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً : فيه إخبار أن ماء العيون جارية يفجرونها من حيث شاءوا . ثم المراد من ذكر العباد هاهنا هم الذين أطاعوا الله - تعالى - وقاموا بوفاء ما عليهم ، وهم الذين قال الله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [ الحجر : 42 ] . وقوله - عزّ وجل - : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ : النذر هو العهد ؛ فجائز أن يكون أراد به الوفاء بكل ما أوجب الله تعالى من الفرائض والحقوق ؛ فتكون فرائضه عهده ؛ كقوله - عزّ وجل - : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [ البقرة : 40 ] . وجائز أن يكون أراد بالنذر ما أوجبوا على أنفسهم من القرب سوى ما أوجبها الله تعالى عليهم ؛ فيكون فيه إخبار أنهم قاموا بأداء الفرائض ، وتقربوا إلى الله تعالى مع ذلك بقرب أخر ؛ فاستوجبوا المدح بوفائهم بما أوجبوا على أنفسهم . وقال : ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها [ الحديد : 27 ] ، فلحقهم الذم ؛ لما لم يقوموا برعاية حقه ، ليس بإيجابهم على أنفسهم ما لم يوجبه الله تعالى عليهم . وقوله - عزّ وجل - : وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً قيل « 1 » : استطار شر ذلك اليوم ،
--> ( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 35776 ) وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 483 ) .